مــشــروع بــحــثــي مــشــتــرك بــيــن جــامــعــة نــيــويــورك أبــوظــبــي ومــنــتــدى ثــروات للــشــركــات الــعــائــلــيــة

المقالات

كيف تتعامل مع تاريخ شركة عائلية تتمنى أن تنساه؟ دروس من القطاع الخاص الألماني

تحمل الشركات العائلية تاريخها معها٬ مما يؤثر على صنع قراراتها الحالية والمستقبلية. تؤكد د. أندريا شنايدر-براونبرجر أن العديد من الشركات العائلية قد تعلمت كيف تقوي سردياتها٬ رغم ذلك٬ توجد دائمًا توقعات بالأصالة التاريخية قد يؤدي تقويضها إلى تبعات مدمرة لا سيما للسمعة.

بقلم د. أندريا شنايدر براونبرجر

تحمل الشركات العائلية تاريخها معها٬ فماضيها يعيش في هويتها وقيمها وصنع قراراتها الحالية والمستقبلية.

لقد تعلمت العديد من الشركات العائلية حاليًا كيف تقوي سردياتها٬ فالتاريخ يكشف عن قوة طاغية تنقله من مجرد الحكي العابر إلى عالم الواقع القاسي. وعلى مدار السنين٬ تترسخ هذه السرديات وتبتعد في الكثير من الأحيان عن الحقيقة التاريخية عن قصد أو دون قصد. وفي النهاية٬ غالبًا ما تختلف الحقيقة عما تقدمه الشركة أو ما يتم عرضه في العائلة صاحبة الأعمال.

رغم ذلك٬ توجد دائمًا توقعات بالأصالة التاريخية قد يؤدي تقويضها إلى اتهامات متنوعة في المجال العام تتراوح من عدم الشفافية إلى التستر. والإهمال في الحكي يمكن أن يكون له تبعات مدمرة لا سيما للسمعة.

دفاعًا عن المهنية التاريخية 

على مستوى علمي المهنية التاريخية هامة بأشكال ملموسة بدأنا بالكاد نفهمها الآن. وباعتبارها مكون في دراسات الإدارة٬ يحقق الباحثون في الصفات التي تحدد السرديات التاريخية الفعالة بحيث يستطيع أصحاب الشركات الآخرون توصيلها بشكل مناسب واستخدامها لتحديد مسارهم. هذا البحث مهمة تستحق بذل الجهد اللازم للقيام بها٬ إلا أنها مهمة محملة بالخيالات التي غالبًا ما تشوش الحقائق التاريخية في السرديات التي تُروى عن الشركات. لكن ما الفرق إن كانت السردية صحيحة تاريخيًا أم لا؟ إن كان من الممكن استخدام السردية لتوصيل الرسائل وتشكيل الهويات٬ يمكن للمرء أن يقول إن السردية تحقق غرضها بغض النظر عن صحتها.

لكنني أريد أن أطرح حجة مضادة، وأن أبين أن مثل هذه الانحرافات التاريخية عن الحقيقة قد يكون لها تبعات كارثية على الإدارة – خاصة فيما يتعلق بالموضوعات التي يتكرر حجبها.

تنحو سرديات الشركات العائلية إلى التغطية على التاريخ. فعلى سبيل المثال٬ وصفت العديد من الشركات في ألمانيا ما بعد الحرب تورطها في الدكتاتورية النازية بأنه كان إجباريًا٬ بمعنى أنهم كانوا مضطرين أن يستقبلوا عمالة السخرة وأنهم كادوا يكونون جزءً من المعارضة. لكن اتضح أن معظم رواد الأعمال استفادوا من الصعود الاقتصادي المرتبط بالاشتراكيين القوميين٬ وحققوا المكاسب من استغلال المنافسة اليهودية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. واتضح أيضًا أن .مقاومتهم المزعومة كانت في أفضل الأحوال مجرد مسافة سياسية داخلية.

ونظرًا لأن الأطراف الفاعلة كانت تعلم ذلك التناقض بين الواقع الفعلي والسردية المروية٬ نتج عن هذا الوضع صمت طويل استمر عقودًا طويلة استنادًا إلى تلك المساحة الرمادية متعددة الطبقات التي يملؤها التضارب والتناقض والجهل. فالقيم الإمبريقية – أساس التقدم الحضاري – لا تعمل بهذه الطريقة. ويمكننا ملاحظة أن عدم التواصل هذا (أي تلك البقع العمياء والجهل) أدى إلى طرح أسئلة داخل وخارج الشركات المعنية. وتحولت هذه الأسئلة على مدار الوقت إلى اتهامات وعدم ثقة.

 تبعات التناقض في حبكة القصة على المشروع العائلي

لنأخذ هذه الشركة العائلية الألمانية ذات الخمسة أجيال كمثال. كان الأب المؤسس مشتبكًا مع النظام النازي٬ وحقق نجاحًا كبيرًا خلال المعجزة الاقتصادية الألمانية في ثلاثينيات القرن العشرين. لكن تورط الأب المؤسس كان مخفيًا إلى حد كبير٬ ولم تتم مناقشته في العائلة أو الشركة. نتيجة لهذا٬ اختلفت الأجيال التالية بشكل متزايد بشأن تفسير أفعال الأب خلال تلك الأزمنة المظلمة. وتصاعَد الخلاف بينهم لدرجة أن اثنين أو أربعة من فروع العائلة يفكرون في بيع أسهمهم في الشركة٬ وهو ما يمكن أن يعني نهاية شركة العائلة.

يمنع الجهل القدرة على مناقشة الأمور والتعامل معها، وفي نفس الوقت يخلق شعورًا طاغيًا بالغموض. علاوةً على خلق مثل هذه الصراعات في العائلة صاحبة الشركة، يمكن أن تؤدي السرديات الزائفة أو الصمت التام بخصوص الحقائق التاريخية إلى خلق أجواء عمل مرهقة.

إن كان الموظفون يشعرون أنهم غير قادرين على الحديث بشكل منفتح ومضطرون لفرض رقابة على أنفسهم٬ يمكن أن يعيدوا إنتاج هذا النمط من السلوك في أماكن أخرى – وهو ما قد يؤدي إلى حدوث فشل كامل لثقافة إدارة الأخطاء مع كل التبعات المرتبطة بذلك.

وبالتالي٬ ماذا تفعل لو لم تكن راضيًا عن تاريخك وتدفعك الرغبة الملحة للنسيان أو الاختلاق؟

الطريق إلى تاريخ صادق للشركات العائلية

تبين كل الخبرات أن تناول التاريخ بطريقة منفتحة ونقدية يؤتي ثماره٬ لكن هذا لا يحدث إلا لو أدى النقد إلى تغيير وتأمل ذاتي عميق٬ فالحقائق وحدها لا تفيد.

يتيح علم التاريخ إمكانية وضع الأمور في سياقها٬ فالدراسة التاريخية المتخصصة لا تبين فقط ما فعله رائد أعمال أو شركة محددون وإنما تفسر أيضًا لماذا فعلوا هذه الأشياء٬ وهو ما يشكل فارقًا هائلًا. هذا الإدراك الذاتي يبني الثقة مع أفراد العائلة والموظفين والجمهور حين يبدأون في إدراك كيف تم اتخاذ القرارات وما المساحات التي كان للفاعلين المختلفين فيها قدرة على المناورة.

بالطبع مثل هذا التحقيق يمكن أن يبين أيضًا إن كان أي رائد أعمال أو عائلة منخرطة في ريادة الأعمال أو شركة تكسبوا بشكل فعلي – أو حتى عدواني – من حالة غير عادلة٬ أو اشتركوا في جرائم٬ أو دعموا بشكل مباشر نظامًا شديد التطرف. لكن حتى في هذه الحالة٬ فإن التناول المنفتح للتاريخ هو الحل الأفضل. فأي شركة لديها نقد ذاتي لماضيها – مهما كان جائرًا – يمكنها على الأقل أن تبين أنها تعلمت من تاريخها.

علاوة على ذلك، الفصول المظلمة من التاريخ يمكن أن تقدم أكثر الدروس تأثيرًا. فمعرفة الطريقة التي تتصرف بها الشركات في ظل الظروف الصعبة – سواء كانت طريقة جيدة أم لا – تساعد في توفير الأساس المعرفي السليم للقرارات المستقبلية.

تمجيد التاريخ قد يصنع قصة عظيمة٬ لكن فحص المرء لماضيه فحصًا نقديًا هو ما يصنع شركة أكثر تطلعًا للمستقبل. وتحمل المسؤولية هو السبيل الوحيد للتعامل مع ماضٍ صعب.

تاريخ النشر: 25-نوفمبر-2022 

 

نبذة عن الكاتب

د. أندريا شنايدر براونبرجر، المديرة التنفيذية للجمعية الألمانية لتاريخ الأعمال التجارية

 تشغل د. أندريا منصب المدير التنفيذي للجمعية الألمانية لتاريخ الأعمال التجارية منذ عام 1996. تعد الجمعية الألمانية الواقعة في فرانكفورت، ألمانيا، منصة للربط بين الميدان الأكاديمي والأعمال التجارية في مجال تاريخ الأعمال التجارية من خلال تقديم وتنظيم ورشات، ومؤتمرات، ومجلات، وأبحاث، بالإضافة إلى تأسيس أرشيفات معاصرة للشركات. كما شغلت د. أندريا شنايدر براونبرجر سابقاً منصب الرئيس للجمعية الأوروبية لتاريخ الأعمال التجارية، وتعمل في الوقت الحالي كعضو في مجلس أمناء متحف فرانكفورت التاريخي ومبادرة ذا لونج رن. خلال عملها في الجمعية الألمانية لتاريخ الأعمال التجارية، ساعدت د. أندريا أكثر من مئة مشروع بحثي، وساهمت في إنشاء عدد كبير من أرشيفات الشركات. كما ألفت العديد من الكتب في هذا المجال، يناقش معظمها تاريخ البنوك والشركات العائلية. تنصب اهتماماتها البحثية الأخيرة في دراسة استخدام الشركات العائلية الماضي ومرونتها في أوقات الأزمات.